مقالات

يوسف السندي يكتب لا للعلمانية (2)

فرض علينا في هذا الوطن ان نصارع اليمين واليسار من أجل هوية هذا الوطن، حتى لا يتم تدجينه ليصبح دولة (دينية) ولا يتم تجريده ليصبح دولة (لا دينية)، فهو وطن وسط لا إلى هؤلاء ولا إلى اولئك، وكما ظلت منطلقات أصحاب الدولة الدينية ضعيفة وفطيرة فهاهي منطلقات دعاة العلمانية أقرب إلى اللوثة العقلية، اذا لا يمكن استنتاج دليل واحد علمي يقود إلى حوجة السودان إلى العلمانية، وانما هي مشروع سياسي بامتياز من أجل إقصاء الأغلبية وليس من أجل بناء السلام وتوحيد الأمة.
الدولة الدينية التي أقامتها الحركة الإسلامية اول من عارضها هم المسلمون انفسهم، فقد كونت الأحزاب ذات الامتدادات الدينية الامة والاتحادي جيوشا عسكرية ونازلت الإنقاذ بالسلاح لاجبارها على ترك منهجها الاحادي في فرض رؤيتها الدينية على الجميع، فكيف يقال ان الدولة الدينية الإنقاذية كانت تمثل المسلمين ودينهم القاهر وان الحل لعدم تكرار هذه الدولة هو العلمانية؟! اي منهجية هذه؟! وأي تعليل؟! العلمانية حين قامت في أوربا قادتها الكنيسة بنفسها وجعلت الحاكم مقدسا بحق الاله ومنحته صك إدخال الجنة والنار، فمتى قامت المساجد في السودان بهذا الدور؟! ام هو مجرد تقليد والسلام، الغرب عنده علمانية فلنكن علمانيين!!.
استخدمت الإنقاذ أجهزة الأمن لارهاب المخالفين وعدد الذين عذبتهم وقتلتهم من المسلمين أكثر من غيرهم، فكيف يقال للصراع السياسي الذي ظل في غالبه بين المسلم والمسلم لأسباب لا علاقة لها بالاسلام ان حله هو العلمانية؟! من المفارقات ان أكبر حركة مسلحة من غير المسلمين في تاريخ السودان وهي الحركة الشعبية رفضت التوقيع مع كل حكومات السودان غير الدينية ووقعت اتفاق سلام مع دولة الإنقاذ الدينية!! ومن المفارقات ايضا أن اليساريين من احزاب الشمال صفقوا لذلك الاتفاق وشاركوا معها في برلمان حكومة البشير الدينية، وهاهم اليوم (بعين قوية) يحدثوننا عن الإرهاب الديني لتلك الدولة التي شاركوها لسنينا عددا ويطالبون بالعلمانية!! فلماذا شاركتموها اذا؟ أليس هذا دليلا كافيا على ان المطالبة الراهنة بالعلمانية مجرد لعبة سياسية أخرى للبحث عن مصالح سياسية ذاتية وليست مصالح وطنية؟! أليس مستغربا أن جميع الأحزاب التي باركت العلمانية لا يوجد في ديباجتها اي دعوة صريحة لدولة سودانية علمانية؟! كيف يباركون العلمانية الصريحة وهي ليست برنامجا حزبيا لهم؟! ماذا يسمى هذا ان لم يكن دليلا أخرا على أن الأمر برمته ينطلق من منصات لا علاقة لها بالوطن ولا المباديء وإنما هي الأجندة الخفية والانتهازية في أبهى صورها.
شارك عبدالعزيز الحلو والحركة الشعبية شمال في حكم الإنقاذ الديني، ولا يمكن أن يوهمونا موضوعيا وجدليا بأنهم أصحاب مبدأ علماني راسخ، هم يعلمون ان العلمانية لن تحل أزمة الحكم في السودان، فالدين لم يكن عاملا مؤثرا في أزماتنا السياسية، ولا كان معوقا لنهضة البلاد، وانما الأزمة ظلت في ثقافة قبول الآخر بين السودانيون انفسهم، في النعرات العنصرية والفروقات التاريخية بين مناطق الوطن المتعددة، الأزمة ليست أزمة دين مسلم متحكم في المركز وإنما أزمة انخفاص وعي المركز بتعددية الوطن وتنوعه، والحل في استدامة واستقرار النظام الديمقراطي التعددي واحقاق حقوق المواطنة وليس في العلمانية.
لا يمكن ان نصف الاحداث السياسية الكبرى في حكم السودان بأنها أحداث ذات علاقة بالدين مما يجعلنا بناءا على ذلك نسلم بفصله عن الدولة، فالحركة الإسلامية انقلبت في عام ١٩٨٩ على حكم حزب الأمة الذي كان برنامجه الانتخابي في انتخابات ١٩٨٦ هو الصحوة الإسلامية، فهل كان هذا بسبب الدين؟ الشيوعيون انقلبوا على ديمقراطية أكتوبر في عام ١٩٦٩ فهل كان هذا بسبب تحويل البلاد إلى علمانية؟! هل سلم عبدالله خليل الحكم لعبود لحماية للإسلام او طمعا في العلمانية؟ هل الحركات الدارفورية حاربت من أجل فصل الدين عن الدولة ومتى تم ارهاب دارفور المسلمة اصلا باسم الإسلام؟ لم يحدث كل هذا، وانما هي كلها ألاعيب سياسية لتحقيق مكاسب سياسية ذاتية والدين منها براء، ولا يمكن مقارنتها بالتحول نحو العلمانية الذي حدث في أوربا نتيجة لهيمنة وقهر الكنسية لقرون طويلة.
من ما سبق يتضح ان الجدل حول العلمانية في السودان يخرج من منطلقات غير موضوعية اطلاقا، والداعيين الى العلمانية لا ينطلقون من أرض صلبة وإنما من توهمات او تقليد او بغرض أجندة أخرى خفية لا علاقة لها بالعلمانية، وهم بذلك لا يضعون حلولا لازمة البلاد وإنما يزيدونها تعقيدا، ويدخلون في نفق صراع مع الأغلبية، وهو صراع سيخسرونه بلا شك.

قد يعــجبــك أيضاَ

زر الذهاب إلى الأعلى