السودان الان

مشاركة البرهان في تشييع إليزابيث.. هل غير الغرب قواعد اللعبة؟

بعد حوالي أسبوع من مطالبته المملكة المتحدة بالاعتذار عن مجزرة كرري التي حدثت في أيلول/سبتمبر 1898، في ذكرى مرور (124) عامًا على المعركة التي قُتل فيها حوالي (40) ألف سوداني، وصل رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان بريطانيا للمشاركة في تشييع الملكة إليزابيث الثانية، وتلقى البرهان دعوة المشاركة في برنامج التشييع أسوة برؤساء دول أخرى في العالم، وأعلن مشاركته “تقديرًا للأدوار التي قامت بها الملكة الراحلة في السودان”، وفقًا للإعلام الحكومي.

وأثارت مراسم وداع رئيس مجلس السيادة في مطار الخرطوم بواسطة الفريق أول شمس الدين الكباشي، جدلًا حول طبيعة العلاقة بين رئيس مجلس السيادة و نائبه الأول الفريق أول دقلو، وهل ما حدث يعزز من الفرضيات القائلة بتمدد الخلافات بين قائد الجيش وقائد قوات الدعم السريع؟ لكن سؤال الصراع الداخلي سرعان ما تراجع لصالح سؤال آخر يتعلق بدلالات مشاركة رئيس مجلس السيادة، والذي يصفه البعض بـ”قائد الانقلاب” في تشييع الملكة، وهل من ثمة واقع جديد في التعاطي معه خارجيًا؟

ومنذ تنفيذ قائد الجيش لانقلابه في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021، ظل اللسان الدولي يردد ضرورة العودة للشرعية الدستورية، ويؤكد في المقابل موقفه من ضرورة تشكيل حكومة مدنية ترتب لتحول ديمقراطي في سودان ما بعد الثورة. بل إن بعض الدول ذهبت أكثر من ذلك حين أوقفت كافة اشكال الدعم للسودان، ورهنت عودته بعودة الحكم المدني.

ومنذ قرارات إصلاح المسار التي نفذها قائد الجيش؛ سقط أكثر من (120) شهيدًا في تظاهرات مقاومة الانقلاب، مع عودة السودان للعزلة الدولية للسودان.

وفسر الكثير من المتابعين خطوة مشاركة البرهان في تشييع الملكة الراحلة وترتيبات مشاركته في الجمعية العامة للأمم المتحدة ممثلًا للسودان، بمثابة العودة لحضن المجتمع الدولي وتخفيف من حدة المواقف السابقة التي واجهتها البلاد عقب الانقلاب. وهي خطوة تؤكد في المقابل على عدم صدقية العبارة التي ترددها قوى المعارضة بأن “الانقلاب يترنح”.

في تحليله لمشاركة البرهان في التشييع، يقول المحلل السياسي الدكتور خالد التجاني، إن هذا الأمر يمثل “تحولًا جوهريًا” في المشهد بشكل عام، ويؤكد أيضًا على أن المجتمع الدولي أو بعض العواصم بدأت تتعامل مع الحالة السودانية وفقًا لقراءات جديدة، وهي قراءات تفضل خيار الاستقرار على حساب خيارات الديمقراطية والحكم المدني – وفقًا لتعبيره.

وبالنسبة للتجاني فإن مؤشرات عديدة توضح هذه التحولات؛ بعضها يرتبط حتي بمعادلة الداخل، حيث تقلصت الأدوار الممنوحة لرئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال فولكر بيرتس في تحديد مسارات مستقبل العملية السياسية، وتقلص بناء عليها التعامل مع مركزي الحرية والتغيير باعتباره ممثل السلطة المدنية في السودان، وهو أمر قد ينبئ بتحولات كبرى في المشهد.

وقال التجاني في تصريحات لـ”التراسودان”، إن وجود الفريق البرهان في المملكة المتحدة يؤكد على أن ثمة “طريق جديد” يقوم على أساس الاعتراف بسلطة الأمر الواقع في السودان، كما أنه يعبر عن أن العالم يتحرك وفقًا لمؤشرات مصالحه وليس على أساس دعم قيم الديمقراطية في بلدان العالم، وأن تعامل الغرب مع الانقلابات والقوى الموصوفة بالشمولية ظاهرة ترتبط بتحقيق المصالح؛ ولن يكون السودان استثناءً في ذلك.

وطالب خالد التجاني القوى السياسية في السودان بإعادة قراءة الموقف الدولى الجديد لأن المؤشرات والدلائل تؤكد على تحول مواقف عواصم بعض الدول، كما أن التعويل على العامل الخارجي باعتباره حاسمًا في مسألة دعم التغيير في السودان لم يعد له جدوى، وأنه يجب على قوى المعارضة أن تعلم أن مشاركة رئيس مجلس السيادة في التشييع “لم تكن مجرد عملية مراسمية فقط” وإنما رسالة سياسية وفي عدة اتجاهات.

لكن ماهر أبو الجوخ الذي ينشط من ضمن قوى الحرية والتغيير “المجلس المركزي”، يرى في تصوير وصول ومشاركة رئيس مجلس السيادة في تشييع الملكة البريطانية ومن بعده المشاركة في مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة في كونه نصرًا سياسيًا وتسويقه على هذا الأساس أمر “مثير للشفقة ودليل على حالة جهل مركب”، وأستبعد أبو الجوخ في حديثه لـ”التراسودان” أن تكون المشاركة في التشييع تعبيرًا عن تغيير موقف المجتمع الدولي وبريطانيا في النظر للانقلاب ومناصريه، وأضاف أن المشاركة في التشييع شهدت حضور معظم رؤساء العالم، وأن الموقف لا يحدد من المشاركة وإنما عبر مراسم الاستقبال والتعامل مع المشاركين فيه.

وأستبق أبو الجوخ وصول البرهان للجمعية العامة للأمم المتحدة بقوله “إنه حتى لو شارك رئيس مجلس السيادة في مداولاتها فالأمر لا يعتبر أعترافًا بسلطته”، وعن حصوله على تأشيرة لدخول واشنطن قال “هو إجراء متعارف عليه لا يتعلق بالموقف الأمريكي من النظم السياسية، فقد سبق أن حصل عليها الرئيس الأيراني رغم أن بلاده مقاطعة من الولايات المتحدة، كما حدث مع الرئيس الراحل القذافي”.

وقال أبو الجوخ إن رفض منح الرئيس المخلوع البشير تأشيرة دخول سببه أنه مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، وليس موقف السلطات الأمريكية منه ومن نظامه، وبالنسبة لأبو الجوخ فإن حتى توصيف تسمية سفير أمريكي بالخرطوم بأنه دعم للانقلاب غير صحيح، بل هو دعم للتحول الديمقراطي.

وتتباين مواقف الأطراف السودانية حول مشاركة رئيس مجلس السيادة في تشييع الملكة الراحلة، ففي الوقت الذي يعتبره مناصروه دعمًا لسلطته في الخرطوم؛ يقلل آخرون منه ويعتبرونه أمر واقعٍ لن يغير في مشهد رفضه من قبل المجتمع الدولي الداعم للديمقراطية في السودان. بينما يحذر خالد التجاني من مغبة الأعتماد على العامل الخارجي باعتباره حاسمًا في تفكيك الانقلاب أو حاسمًا في استمراريته، فهو يرى الغرب يتحدث بلسانين؛ الأول داعم للديمقراطية وحقوق الإنسان، والثاني داعم لسلطة الأمر الواقع لا يهتم إن كانت سلطة انقلاب طالما أنها تحقق مصالحه؛ تلك هي اللعبة السياسية – حسب تعبيره.

المصدر من هنا

قد يعــجبــك أيضاَ

زر الذهاب إلى الأعلى