السودان الان

إخوان السودان وسيف التاريخ.. حكم على دماء الشعب (3)


فيما لا يزال غبار الثورة السودانية ضد حكم تنظيم الإخوان الإرهابي عالقا في الأفق ويعوق رؤية المستقبل، يبدو ماضي البلد أكثر وضوحا.

وأمام سيف التاريخ، تقف جماعة الإخوان بعد سقوطها وقد تعرت من ورقة السلطة التي أخفت خلفها لعقود، دورها الأسود في إفقار السودان وتجريفه وحبك أزماته التي قادت إلى حرب أهلية اكتوى بنيرانها.

وعبر سلسلة من التقارير تنقب “العين الإخبارية” في مسيرة الإخوان، لكشف الأقنعة عن سوءات التنظيم الإرهابي الذي أحال حياة الشعوب إلى جحيم في العديد من البلدان وبينها السودان.

وتفكك الحلقة الثالثة من السلسلة اعتماد الإخوان على العنف وإراقة الدماء كوسيلة رئيسية لتثبيت مشروعها الإرهابي على مر التاريخ.

“القتل وإهانة الكرامة الإنسانية بالقمع والتنكيل” هي صفات أجمع محللون سودانيون على ربطها بجماعة الإخوان الإرهابية صاحبة السجل الأعلى دموية في المنطقة.

عنف الجماعة الذي طال كل نفس سودانية بلا استثناء، تجسد منذ وقت مبكر في أدبيات التنظيم الإرهابي من خلال شعارات تحض على البطش والتعنيف في سبيل تمكين المشروع.

وترك التنظيم الإخواني الذي سقط بثورة شعبية عام 2019، خلفه مسيرة حافلة من إراقة الدماء تضمنت اغتيالات وتعذيب واحتجاز تعسفي بحق الخصوم السياسيين، وذلك عبر أجهزة أمنية سرية وأوكار “بيوت الأشباح” سيئة الذكر، وفي الجامعات.

ويتفق كثيرون في أن الإخوان هم أول من أدخل العنف في الحياة السياسية بالسودان. 

ولم يتوقف العنف الإخواني عند مستوى الأشخاص، بل امتد ليحرق إقليم دارفور بأكمله، واستمر لتدمر جنوب السودان ويفصله لاحقاً عن البلد الأم، بعد أن قامت الحركة الإسلامية بتحويل الصراع هناك إلى حرب دينية دفعت أبناء الوطن الواحد إلى الاقتتال على أساس مسلم ومسيحي.

ويقول الخبير السياسي علاء الدين بابكر إن الفكر الإخواني قائم أصلاً على الإرهاب والعنف، فهذا المشروع لا يستطيع العيش إلا وسط الدماء، وكان ذلك واضحاً في شعارهم الأبرز “أو ترق كل الدماء”، إذ تخللت مسيرة التنظيم قصص مروعة في هذا الجانب ومسجلة في صفحات التاريخ السياسي السوداني.

وأضاف بابكر في حديث لـ”العين الإخبارية”، “هذا التنظيم الإرهابي نفذ اغتيالات وسط خصومه السياسيين عبر أجهزة أمنية خاصة وارتكب العديد من الجرائم، ولكن هذا العنف عجل بنهاية المشروع الإخوان، وسيكون عقبة أساسية أمام عودته للملعب السياسي في المستقبل”.

ويضيف أن “تنظيم الإخوان وجد في السودان بوابة لنشر ما أطلق عليه الإسلام السياسي في كل أفريقيا، ولكن قيام الجبهة الإسلامية بتحويل حرب التمرد في جنوب البلاد إلى حرب دينية بين المسلمين ومسيحيين، ساهم في قطع الطريق أمام مخطط التنظيم الإرهابي”.

ولأن هدف الإخوان كان إفساد الحياة السياسية وضرب منارات الوعي في السودان، اختارت الجامعات كمسرح لنشر الفكر العنيف، فتهجمت عناصرها على ندوة سياسية بجامعة الخرطوم في ستينيات القرن الماضي، ما دشن ظاهرة العنف الطلابي الذي سقط على إثره آلاف الطلبة خلال العقود الماضية.

وفي هذا الجانب، يقول السياسي السوداني عروة الصادق لـ”العين الإخبارية” إن الإخوان اختارت العنف كوسيلة أساسية لنشر مشروعها في الجامعات وقد صدمتنا بقصص مروعة، حيث جرت اغتيالات وتصفيات واسعة للطلاب المعارضين لهذا الفكر الإرهابي، ومن بين التاي أبوعاقلة، وسليم، وميرغني عثمان سوميت وآخرين.

وهؤلاء تمت تصفيتهم بواسطة الحركة الإسلامية السياسية (الإخوان) خلال فترات زمنية متفاوتة بعد أن قادوا مقاومة فكرية شرسة ضد مشروع الإخوان الإرهابي من داخل المنابر السياسية في الجامعات السودانية، والتي تعرف محلياً بـ”أركان النقاش”، وفق عروة الصادق.

وبعد صعودها إلى السلطة، قامت الحركة الإسلامية بتأسيس ما يعرف بـ”الوحدات الجهادية” وخصصت لها مقار داخل الجامعات مزودة بالأسلحة النارية والبيضاء، وذلك بغرض توسيع دائرة العنف والسيطرة على قطاع الطلاب بالقوة، لكن هذه الأوكار تم تفكيكها بقرار من السلطة الانتقالية التي تشكلت عقب إنهاء حكم الإخوان.

هذا أيضا ما ذهب إليه علاء الدين بابكر الذي أشار إلى أن الجماعة الإرهابية جعلت العنف منظماً عقب صعودها للسلطة، إذ حولت الجامعات من منابر للعلم والمعرفة إلى ساحات للقتال في محاولة لفرض مشروعها بالقوة.

وتابع “عنف الجماعة منظماً بعد صعودها للحكم بانقلاب عسكري، وأصبح ينفذ عبر أجهزة أمنية خاصة بالتنظيم سواء في بيوت الأشباح أو غيرها”.

لم يكن العنف سلوكاً فردياً عابراً وإنما منهج ما يسمى بالحركة الإسلامية، القائم أصلاً على نفي الآخر وإقصاءه، هذا ما قاله الخبير السياسي المختص في شؤون الجماعات الإرهابية فتحي مادبو.

ويضيف مادبو في حديثه لـ”العين الإخبارية”: “لم يكن هناك فرق في سلوكيات الإخوان عندما كانوا تنظيم حاكم أو معارض، لأن منهجهم القائم على العنف هو الذي يسيطر على ممارساتهم، وهذا تشهد عليه أدبيات الحركة الإسلامية السياسية وشعارها الأساسي: (فاليعد للدين مجده أو ترق منهم دماء أو ترق منا الدماء أو ترق كل الدماء)”.

وتابع “هذا التنظيم لا يؤمن حتى بالتعاليم الإسلامية نفسها، فهو دائما ما يميل إلى (جادلهم بالتي هي أخشن)، فالعنف سلوك متجذر لدى الإخوان، وهو منهج أصيل للجماعة وتحاول التأصيل له بفتاوى وتصورات ساذجة لا وجود لها في الإسلام والأديان السماوية؛ والتي تقر جميعها بجود الآخر”.

الخبير السوداني قال أيضا، “أحرق الإخوان دارفور بحرب وقتلوا الآلاف، وحولوا النزاع المطلبي في جنوب السودان إلى حرب دينية؛ في وقائع تعكس تعطش هذا التنظيم للدماء”، مضيفا “ينبغي أن يعاقبوا على كل هذه الجرائم في ساحات القضاء”.

الأكثر من ذلك، وفق مادبو، أن الإخوان مارست العنف بعد الصعود للسلطة، “من خلال سن تشريعات ما أنزل  الله بها من سلطان كان الهدف منها إيقاع العقاب الجسدي لمخالفي الفكر الإرهابي”.

تجلى ذلك في قوانين النظام العام والأمن الوطني التي منحت جهاز المخابرات سلطات مطلقة في الاعتقال التعسفي الذي تتخلله عمليات تعذيب؛ في سلوك غير أخلاقي، وفق مادبو.

وتابع الخبير السوداني “كثر قتلوا داخل السجن مثل النقابي الدكتور علي الفضل، ومحمد عبدالسلام وآخرين، هذا بخلاف حالات القتل خارج القانون للمتظاهرين وغيرهم.. كل تشريعاتهم كان هدفها إذلال الشعب السوداني والتنكيل بالخصوم”.

ومضى موضحا “هذه الممارسات كلفتها عالية جداً على تنظيم الإخوان الذي صار خارج الحكم بالسودان”.

“بيوت الأشباح” هي أوكار استغلها نظام الإخوان الإرهابي في السودان لتعذيب الخصوم السياسيين وراح ضحيتها آلاف الأشخاص خلال حكم الحركة الإسلامية، ما ترك قصص مروعة في البلاد.

وفي هذا الإطار، يقول عروة الصادق، إن جماعة الإخوان بدل من أن تسلك طريق التقاضي والعدالة، فضلت تعذيب الخصوم داخل بيوت الأشباح، وقد رأينا مناظر بشعة داخل هذه المعتقلات”.

وتابع “راح ضحية هذه الأوكار النقابي الدكتور علي الفضل، والبروفسيور سعد نصر الدين الذي أصيب بالشلل جراء التعذيب وتوفي، والأمير نقد الله الذي عانى من موت دماغي لمدة 13 عاما”.

وأضاف “كما يحكي أن أجهزة الأمن تقوم بوضع المحتجز في برميل ثلج في الشتاء ولا يتم إخراجه إلا بعد أن تٌشل أطرافه”.

الإعلامي أحمد أبو حازم، كٌتبت له النجاة من الموت بعد اعتقاله مرتين في “بيوت الأشباح”.

ورغم قسوة التعذيب الذي عايشه، منحه دخول هذه الأوكار فرصة لتوثيق الانتهاكات الجسيمة لتنظيم الإخوان الإرهابي.

ويقول أبو حازم لـ”العين الإخبارية”، إن “بيوت الأشباح هي نتاج الذهنية الشريرة لتنظيم الإخوان، وهي ليست فكرة بشرية وإنما شيطانية؛ لذلك تم تسميتها بهذا الوصف”.

ويضيف: “اعتقالي الأول والثاني مطلع تسعينيات القرن الماضي كشفا لي طريقة التعامل مع المعتقل السياسي في السلوك والنفسية الشريرة التي تسيطر على عقول هؤلاء القتلة المنتسبين لما يسمى بالحركة الإسلامية”.

وتابع: “حتى صغار منتسبي التنظيم الإخواني الذين ينفذون أوامر التعذيب، ليسوا ببشر؛ وهم أشبه بأبناء الشيطان”.

ويروي أبو حازم كيف داهمته قوات أمن الإخوان في مكان عمله بالخرطوم وحاصرته حتى الاعتقال، واقتياده إلى “بيوت الأشباح”، حيث تعرض لممارسات فظيعة من أشخاص بلا رحمة أو عاطفة بشرية”.

يشير الخبير المختص في شؤون الجماعات الإرهابية، عبدالواحد إبراهيم إلى أن الحركة الإسلامية مارست أبشع أنواع العنف في الجامعات وفي بيوت الأشباح، واعتقلت السياسيين تعسفيا ونكلت بهم بهدف قتل كافة أشكال المقاومة.

وتابع “لكن هذه الأفعال جاءت بنتائج عكسية وأدت إلى اصطفاف السودانيين في ثورة ملهمة لاسقاط حكم الجماعة”.

وقال إبراهيم في حديثه لـ”العين الإخبارية” إن “الشعب السوداني شيع الحركة الإسلامية لمثواها الأخير، ولن تجد أي قبول شعبي مستقبلاُ، لكنها ربما تتسلل إلى المشهد إذا فشلت القوى السياسية في تحقيق انتقال حقيقي في البلاد”.

المصدر من هنا

قد يعــجبــك أيضاَ

زر الذهاب إلى الأعلى